ابن بسام
64
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
والغدر ثوب الأشرار . ووصل القوم بعد بأخيه ، ففكّ عن أغلاله ، وحبسه عند بعض عمّاله . وضرب أعناق الغدرة ، وقرّب أبا الفضل واستوزره ، إلى أن خرج عنه في خبر طويل / ولحق بشروان شاه [ 1 ] ، وصحبه إلى أن توفّي أيضا وولّوا أخاه ، فكاتب أبو [ 2 ] الفضل الخليفة أبا جعفر [ 3 ] القائم ببغداد في الوصول إليه ، فاتفق ورود كتابه إثر وفود رسول المعزّ بن باديس عليه ، فطلب الخليفة رجلا يسفر بينهما ، فأرشد إلى أبي الفضل ، فوجّه عنه وورد ، فجهّزه وخرج مستترا من بلد إلى بلد حتى وصل حلب ، فاشتهر خبره وطلب ، فمدح معزّ الدولة [ 4 ] بقصيدته التي أوّلها : « عهود الصبا من بعد عهدك آمل » فأمر له بثياب سريّة ، وحمله على فرس عربيّة . ثم انفصل عنه واجتاز بمعرّة النّعمان ، وبها المعرّي أحمد بن سليمان ، فوصل إليه ، وأنشده قصيدته اللاميّة ، فقبّل المعرّي بين عينيه ، وقال له : بأبي أنت من ناظم ! ما أراك إلّا الرسول إلى المغرب . فوصل مصر ووزيرها يومئذ صدقة ابن يوسف بن علي الملقّب بالفلاحي [ 5 ] ، فقصد مجلس قاضي القضاة بها ، وأثبت عقدا على رجل مشهور ، كان يومئذ ببلاد المغرب بشهادات زور ، ولما ثبت ذلك من الطّومار ، خرج من مصر في زيّ التجار ، يؤمّ بلاد إفريقية ، فوقع على خبره صاحب الإسكندرية ، وطلبه فأعجزه . وبلغ / طرابلس المغرب أوّل عمل المعزّ ، فأفشي أمره ، وفضح سرّه ، فأمر المعزّ بإشخاصه . فلمّا وصل سعي به عنده وأراد قتله ، فقال له : تأنّ فيّ ، واستقص عليّ ، فإن صدقت وإلّا قتلت . فمشى أبو الفضل بالقيروان مرقبا عليه ، إلى أن ورد كتاب القائم بصدقه ، فاعتذر إليه ، ورفع منزلته وأكرمه ، وبسط يده في مطاليبه وحكمه [ 6 ] . فحملهم أبو الفضل إلى منزله ، وأحسن إليهم ، وخلع عليهم . فعجب المعزّ من كرمه ، وقلّده تدبير حشمه . وكان ورود أبي الفضل بلد القيروان سنة تسع
--> [ 1 ] ليس هنالك ملك بهذا الاسم ، وإنما هذا لقب لحكام شروان ؛ ولعل المقصود هنا هو منوجهر بن يزيد أو علي بن يزيد أو قباذ بن يزيد ( 418 - 441 ) . [ 2 ] ص : أبا . [ 3 ] تولى القائم أبو جعفر الخلافة سنة 422 وثار عليه البساسيري سنة 450 ثم أعاده السلاجقة وبقي حتى توفي 467 . [ 4 ] هو ثمال بن صالح المرداسي ولي قلعة حلب أول مرة سنة 420 ثم أقصي عنها وعاد إليها سنة 429 فلم تطل مدته ، وأقصي مرة أخرى ثم عاد إليها سنة 434 واعتزل أخيرا سنة 449 . [ 5 ] تولى صدقة الوزارة سنة 436 وبقي فيها إلى أن اعتقل وقتل سنة 439 ( الإشارة إلى من نال الوزارة : 37 - 38 ) . [ 6 ] أي جعل له الحكم في الذين سعوا به إلى السلطان .